الشيخ الأنصاري
199
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )
وفيه ما لا يخفى لما عرفت في تأسيس الأصل من أن العمل بالظن ليس فيه إذا لم يكن بقصد التشريع والالتزام شرعا بمؤداه حرمة ذاتية وإنما يحرم إذا أدى إلى مخالفة الواقع من وجوب أو تحريم فالنافي للعمل بالظن فيما نحن فيه ليس إلا قاعدة الاحتياط الآمرة بإحراز الاحتمالات الموهومة وترك العمل بالظنون المقابلة لتلك الاحتمالات وقد فرضنا أن قاعدة الاحتياط ساقطة بأدلة نفي العسر ثم لو فرضنا ثبوت الحرمة الذاتية للعمل بالظن ولو لم يكن على جهة التشريع لكن عرفت سابقا عدم معارضة عمومات نفي العسر بشيء من العمومات المثبتة للتكليف المتعسر . ومنها أن الأدلة النافية للعسر إنما تنفي وجوده في الشريعة بحسب أصل الشرع أولا وبالذات فلا تنافي وقوعه بسبب عارض لا يسند إلى الشارع ولذا لو نذر المكلف أمورا عسرة كالأخذ بالاحتياط في جميع الأحكام الغير المعلومة وكصوم الدهر أو إحياء بعض الليالي أو المشي إلى الحج أو الزيارات لم يمنع تعسرها عن انعقاد نذرها لأن الالتزام بها إنما جاء من قبل المكلف وكذا لو آجر نفسه لعمل شاق لم يمنع مشقته من صحة الإجارة ووجوب الوفاء بها . وحينئذ فنقول لا ريب أن وجوب الاحتياط بإتيان كل ما يحتمل الوجوب وترك كل ما يحتمل الحرمة إنما هو من جهة اختفاء الأحكام الشرعية المسبب عن المكلفين المقصرين في محافظة الآثار الصادرة عن الشارع المبينة للأحكام والمميزة للحلال عن الحرام وهذا السبب وإن لم يكن عن فعل كل مكلف لعدم مدخلية أكثر المكلفين في ذلك إلا أن التكليف بالعسر ليس قبيحا عقليا حتى يقبح أن يكلف به من لم يكن سببا له ويختص عدم قبحه بمن صار التعسر من سوء اختياره بل هو أمر منفي بالأدلة الشرعية السمعية وظاهرها أن المنفي هو جعل الأحكام الشرعية أولا وبالذات على وجه يوجب العسر على المكلف فلا ينافي عروض التعسر لامتثالها من جهة تقصير المقصرين في ضبطها وحفظها عن الاختفاء مع كون ثواب الامتثال حينئذ أكثر بمراتب ألا ترى أن الاجتهاد الواجب على المكلفين ولو كفاية من الأمور الشاقة جدا خصوصا في هذه الأزمنة فهل السبب فيه إلا تقصير المقصرين الموجبين لاختفاء آثار الشريعة وهل يفرق في نفي العسر بين الوجوب الكفائي والعيني . والجواب عن هذا الوجه أن أدلة نفي العسر سيما البالغ منه حد اختلال النظام والإضرار بأمور المعاش والمعاد لا فرق فيها بين ما يكون بسبب يسند عرفا إلى الشارع وهو الذي أريد بقولهم عليهم السلام : ( ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ) وبين ما يكون مسندا إلى غيره ووجوب